فوائد القراءة اليومية للطفل: تأثيرها على التركيز، السلوك، والذكاء العاطفي

فوائد القراءة اليومية للطفل: تأثيرها على التركيز، السلوك، والذكاء العاطفي

مقدمة: فوائد القراءة اليومية للطفل

يبحث الآباء اليوم عن وسائل حقيقية تساعد أطفالهم على التركيز، وضبط السلوك، وبناء شخصية متوازنة في عالم سريع ومليء بالمشتتات. وبينما تتجه الأنظار غالبًا إلى الدورات، أو التطبيقات التعليمية، أو البرامج السلوكية، يغفل كثيرون عن أداة بسيطة، متاحة، وقوية الأثر: القراءة اليومية.

القراءة للطفل – أو معه – ليست مجرد نشاط لغوي أو وسيلة لتعلم الحروف، بل هي تجربة ذهنية وعاطفية متكاملة، تترك أثرًا عميقًا في طريقة تفكيره، استجابته، وفهمه لذاته وللآخرين.

في هذا المقال، نستعرض بشكل عملي وعلمي كيف تؤثر القراءة اليومية على تركيز الطفل، سلوكه، وذكائه العاطفي، ولماذا تعد عادة يومية صغيرة ذات نتائج تربوية كبيرة، خاصة في سنوات الطفولة المبكرة.

 

a child reading has better focus

 

أولًا: كيف تؤثر القراءة اليومية على تركيز الطفل؟

1.   القراءة تدريب ذهني على الانتباه

تعتمد كل قصة على تسلسل واضح للأحداث؛ إذ تبدأ بمقدمة، ثم تتطور الوقائع تدريجيًا، حتى تصل إلى خاتمة تحمل الحل أو الرسالة. هذا التسلسل لا يمر مرورًا عابرًا على عقل الطفل، بل يشكّل تمرينًا ذهنيًا مباشرًا على مهارة الانتباه:

  • يتابع تسلسل الأحداث: يتعرّف على البطل الرئيسي، ويفهم المواقف التي تشكّل الحبكة، ثم يلاحظ كيف تقود هذه الأحداث إلى الحل النهائي.
  • ينتظر تطور القصة: بعد تقديم الشخصيات والمقدمة، يبدأ الطفل في ترقّب ما سيحدث لاحقًا، محاولًا الإجابة عن الأسئلة التي تشكّلت في ذهنه أثناء القراءة.
  • يربط بين البداية والنهاية: هذا الربط يتطلب انتباهًا مستمرًا لتفاصيل متفرقة تبدأ من الصفحات الأولى وتنتهي في الخاتمة، وهو ما يعزز قدرة الطفل على التركيز لفترات أطول دون تشتت.

وهذا كله تمرين مباشر على مهارة التركيز المستمر، بخلاف المحتوى السريع الذي ينتقل كل ثوانٍ دون جهد ذهني.

2.   الفرق بين التركيز في القراءة والتركيز أمام الشاشة

يوجد فرق شاسع ما بين التركيز على القراءة والتركيز أمام الشاشة. القرق بينهما يشابه الفرق ما بين اللعب والاستذكار.

تسهل متابعة الشاشة لأنها:

·      تحتوي على مشاهد سريعة: تثير الدماغ وتبقيه مشغولًا بها.

·      محفزات دون انتظر: الشاشة تعرض عليه ساعات متواصلة من المحتوى، دون حاجة إلى النطق أو التفكير. هي عملية تعتمد على التلقي بشكل كلي دون تفعيل التفكير والتفاعل.

·      لا تتطلب صبرًا: لأنها سريعة تعطي نتيجة فورية.

أما الكتاب فهو:

  • يتطلب متابعة: تناقص التركيز ولو لدقيقة من قِبل الطفل، سوف يقلل من فهم القصة، وهذا يجبره على الانتباه والمتابعة طوال الوقت.
  • يحفز التخيل: يتخيل ما خلف الصورة، وما هي الأحداث القادمة.
  • يبني التركيز تدريجيًا: لأن القصة وحدة متكاملة، الالمام بها يتطلب التركيز على كل التفاصيل.

لذلك، الأطفال الذين يعتادون القراءة اليومية يظهر لديهم:

  • قدرة أفضل على الجلوس بهدوء
  • تحمّل أطول للأنشطة التعليمية
  • تراجع في التشتت السريع

3.   القراءة المنتظمة تقلل “الملل الذهني

للأسباب التي أشرنا إليها سابقًا، يميل الطفل الذي لا يعتاد القراءة إلى الشعور بالملل بسرعة، وغالبًا ما يطلب محفزًا خارجيًا مستمرًا، مثل الشاشة أو الترفيه السريع، ليبقى منشغلًا.

في المقابل، يتعلّم الطفل القارئ التفاعل مع المحتوى الداخلي؛ إذ يستخدم خياله، ويتابع الأحداث، ويشارك ذهنيًا في القصة، مما يساعده على بناء عالمه الذهني الخاص دون الحاجة إلى مؤثرات خارجية دائمة.

وتُعد هذه القدرة مهارة أساسية في تنمية التركيز طويل المدى، لأنها تعلّم الطفل الصبر الذهني، والاستغراق في الفكرة، والبقاء متفاعلًا مع نشاط واحد لفترة أطول وبهدوء.

 

ثانيًا: أثر القراءة اليومية على سلوك الطفل

1.   القصص أداة تربوية غير مباشرة

غالبًا ما تقابل الأوامر المباشرة بالمقاومة، خاصة عند الأطفال، لأنها تضعهم في موقع التلقّي القسري. أمّا القصة، فهي وسيلة تعليمية مختلفة؛ تعلّم دون توجيه مباشر، وتزرع الفكرة دون صدام.

من خلال القصص، يستطيع الطفل أن:

  • يتعرّف على نتائج السلوك من خلال أفعال الشخصيات وما يترتب عليها.
  • يرى العواقب دون أن يكون هو موضع اللوم، مما يقلّل الشعور بالدفاع أو الرفض.
  • يتعلم من التجربة لا من التوبيخ، يستوعب الدرس بهدوء ووعي بدل الخوف أو الإحباط.

ولهذا، تُعدّ القصص من أكثر الأدوات التربوية فعالية، لأنها تخاطب عقل الطفل ومشاعره في آنٍ واحد، وتترك أثرًا طويل المدى دون ضغط أو توتر.

2.   القراءة تساعد على تنظيم الانفعالات

تُعرّف القصص الطفل على المشاعر الإنسانية المختلفة في سياق آمن ومفهوم؛ إذ تتناول مشاعر مثل الغضب، والخوف، والغيرة، والحزن، وغيرها من الانفعالات التي يمر بها الطفل يوميًا.

هذا التعرّف المسبق على المشاعر يمنح الطفل قدرة أعلى على فهم ما يشعر به عندما يمر بالتجربة نفسها، فيدرك أن ما يختبره طبيعي وله اسم وحدود.

ومع الوقت، يبدأ الطفل في تنظيم انفعالاته بدل التعبير عنها بسلوك عدواني أو نوبات غضب، لأن الفهم يسبق السيطرة، والوعي يخفف حدّة الانفعال.

ولهذا، لا تقتصر القراءة على تنمية اللغة فقط، بل تُعدّ أداة فعّالة في بناء التوازن الانفعالي لدى الطفل.

 

3.   القراءة اليومية تقلل السلوك الاندفاعي

تقوم كل قصة على تسلسل منطقي للأحداث: بداية تمهّد، ووسط تتصاعد فيه الوقائع، ونهاية تُغلق الدائرة. هذا البناء البسيط يُدرّب عقل الطفل على الانتظار واحترام التتابع.

أثناء الاستماع أو القراءة، يتعلم الطفل:

  • ألا يقاطع الحدث قبل اكتماله
  • أن ينتظر تطوّر القصة قبل الوصول إلى الحل
  • أن يفهم أن لكل نتيجة خطوات تسبقها

ومع التكرار اليومي، تتحول هذه المهارات إلى سلوك مكتسب، فينعكس ذلك على حياته اليومية من خلال تقليل الاندفاع، وزيادة الصبر، وتحسّن القدرة على ضبط النفس.

فالطفل الذي يعتاد على القصة، يعتاد ضمنيًا على التمهّل… وهذا ما نبحث عنه في السلوك، لا في التوجيه المباشر.

ثالثًا: القراءة اليومية وبناء الذكاء العاطفي

ما هو الذكاء العاطفي عند الطفل؟

الذكاء العاطفي هو قدرة الطفل على فهم مشاعره، والتعبير عنها. بالإضافة إلى فهم مشاعر الآخرين، والتعامل معها بشكل صحي.

تعتبر القراءة من أقوى الأدوات لتنمية هذه القدرة، وذلك لعدة أسباب وهي:

·      القصص توسّع مفردات المشاعر: الطفل الذي يقرأ أو يسمع قصصًا يتعلم أسماء المشاعر، ويميّز بين الغضب والحزن والخوف، ويعبّر بدل أن ينفجر.

·      التقمص العاطفي (Empathy): عندما يتابع الطفل شخصية تشعر بالخوف، وتفشل أو تنجح، أو حتى يُرفض فهو يتعلّم التعاطف، وهي حجر الأساس في الذكاء العاطفي.

·      القراءة تساعد الطفل على فهم الآخر: القصص تقدّم شخصيات مختلفة، وبيئات متنوعة، ووجهات نظر متعددة، وهذا يعلّم الطفل أن الناس مختلفون، ولكل منهم مشاعره، وأن الخلاف لا يعني العداء.

·      الحوار بعد القصة يضاعف الأثر: أسئلة مثل: كيف شعرت الشخصية؟ ماذا كنت ستفعل مكانها؟ لماذا تصرّفت هكذا؟ تحوّل القصة من ترفيه إلى أداة وعي عاطفي.

إن كنت تبحث عن كتب تنمي الجانب العاطفي في الطفل اطلع على مقال: كتب تساعد الأطفال على التعبير عن مشاعرهم بطريقة صحية: بناء الذكاء العاطفي من الصغر.

كما يمكنك معرفة المزيد عن آثار القراءة المنتظمة على الطفل من خلال المقالات التالية:

·      ماذا تفعل القراءة لعقل الطفل قبل سن السابعة؟ حقائق تربوية مدعومة بالتجربة.

·      القراءة بصوت عالٍ للأطفال: سرّ بناء الذكاء اللغوي والعاطفي منذ السنوات الأولى

 

رابعًا: أخطاء شائعة تقلل أثر القراءة

  • تحويل القراءة إلى واجب
  • اختبار الطفل بعد كل قصة
  • اختيار كتب لا تناسب عمره
  • المقارنة بين الأطفال
  • ربط القراءة بالمكافآت دائمًا

القراءة يجب أن ترتبط بالأمان، والمتعة، والوقت المشترك. للمزيد من الأخطاء الشائعة وطريقة معالجتها في تنشئة طفل قارئ، اطلع على مقال: أخطاء شائعة تمنع طفلك من حب القراءة (وما البديل الصحيح)

 

خلاصة: فوائد القراءة اليومية للطفل

القراءة اليومية ليست نشاطًا إضافيًا في جدول الطفل، بل استثمار تربوي طويل الأمد.

فهي تبني التركيز دون ضغط، وتهذّب السلوك دون عقاب، وتنمّي الذكاء العاطفي دون محاضرات.

إذا أردنا طفلًا متوازنًا، واعيًا، وقادرًا على فهم نفسه والآخرين، فإن القراءة اليومية هي البداية الأبسط والأعمق.



ادخل البريد الالكتروني واحصل على أنشطة مجانية جاهزة للطباعة




    يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

     

    Back to blog